دراسة: الأشخاص الذين يعيش أهاليهم طويلاً أقل عرضة للإصابة بالسرطان |  الجرعات العالية من المسكنات تزيد مخاطر أزمات القلب |  دراسة: خسارة الوزن عند السمينين المصابين بالصدفية تحسّن من حالتهم |  النساء يواجهن خطر الوفاة نتيجة التدخين والكحول أكثر من الرجال |  تقاسم الفراش مع الأطفال حديثي الولادة يسبب وفاتهم |  "ناسا" تنوي استخراج المعادن الثمينة من الكويكبات |  تحليل: السفر عبر الزمن للمستقبل حقيقي |  حيوان "قارض" على المريخ يثير جدلا لدى الباحثين |  أفلام إباحية مخصصة لنظارات غوغل |  مايكروسوفت تعلن عن مليون مشترك لأوفيس 365 |  فيسبوك تصادق على صفحات المشاهير بعلامة زرقاء |  أول حاسوب لـ"أبل" يباع بـ671 ألف دولار |  سامسونغ تحتل المرتبة الأولى عالمياً في الإيرادات من الهواتف المحمولة |  قراصنة صينيون يسرقون تصاميم سرية لأسلحة أمريكية |  بدء محاكمة الفتاة التونسية التي تنشط مع "فيمن" |  إيقاف ناشطات من "فيمن" في تونس |  فقدان العشرات بانقلاب زورق في ماليزيا |  زواج أول مسلمتين مثليتين في بريطانيا |  "المدينة البيضاء" في تركمانستان تدخل غينيس |  صينية تحتجز ابنها المريض عقلياً 11 عاماً في قفص | 
الرئيسية / أبحاث و دراسات
التاريخ : 2011-07-06

قراءة في كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد

 




بقلم: سليمان الطعاني






يبدأ الكواكبي كتابه "طبائع الاستبداد" بمقدمة يبيّن فيها أن السبب الرئيسي للانحطاط والتأخر في كل بلاد الشرق هو الاستبداد السياسي، وقد توصّل إلى ذلك كما يقول بعد بحث استمر 30 سنة، فيقول: "الاستبداد هو نار غضب الله في الدنيا، كما ان الجحيم نار غضبه في الآخرة، وقد خلق الله النار أقوى المطهّرات، فيطهر بها في الدنيا دنس من خلقهم أحراراً، وجعل لهم الأرض واسعة، فكفروا بنعمة الحرية، ورضوا بالاستعباد والظلم". عبد الرحمن الكواكبي الذي ولد في ١٨٥٤ بمدينة حلب سجل أفكاره النهضوية والإصلاحية في كتابه طبائع الاستبداد ، حتى اصبح الكتاب مرجعًا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم في الدولة الإسلامية.. منذ أكثر من مائة عام، وكأنما يستشرف المستقبل بكل تفاصيله، أو يقرأ الغيب، مستضيئًا بسنوات الاستبداد العثماني، التي كانت البلاد العربية تئن من وطأتها، حتى إن ما ذكره في كتابه يكاد ينطبق حرفيًّا على الوضع الراهن للأمة، الذي يشهد استبدادًا غير مسبوق، بل يكاد ينطبق على حكام بعينهم ممن يتحدثون كحكماء أو كمهرجين، ونجدهم يتصرفون كقتلة وسفاحين، يقول الكواكبي في فصل ما هو الاستبداد فيعرفه: انه غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي والحقوق المشتركة، وفي اصطلاح السياسيين هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة و بلا خوف تبعة، والمستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم و يحكم بهواه لا بشريعتهم، و يعلم من نفسه انه الغاصب المعتدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق و التداعي لمطالبته، ويضيف: المستبد عدو الحق، عدو الحرية و قاتلها، و الحق أبو البشر و الحرية أمهم، و العوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئا، والعلماء هم اخوتهم الراشدون، أن أيقظوهم هبوا وإن دعوهم لبوا وإلا فيتصل نومهم بالموت.

 ويبين أن السياسيين يبنون استبدادهم على أساس التعالي الشخصي و التشامخ الحسي عليهم, فيذلونهم بالقهر و القوة و سلب الأموال حتى يجعلوهم خاضعين لهم عاملين لأجلهم يتمتعون بهم كأنهم نوع من الأنعام التي يشربون ألبانها و يأكلون لحومها و يركبون ظهورها و بها يتفاخرون. مبينا ان القرآن الكريم جاء مشحونا بتعاليم إماتة الاستبداد و إحياء العدل و التساوي حتى في القصص منه ,و من جملتها قول بلقيس ملكة سبأ لقومها : (يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ) ،فهذه القصة تعلم كيف ينبغي أن يستشير الملوك الملأ أي أشراف الرعية، و أن لا يقطعوا أمرا إلا برأيهم و تشير إلى لزوم أن تحفظ القوة و البأس في يد الرعية, و أن يخص الملوك بالتنفيذ فقط، و أن يكرموا بنسبة الأمر إليهم تكريما, و تقبح شأن الملوك المستبدين، متساءلا وكأنه يعيش بين ظهرانينا: و من يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، وأوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا، وعدوا كل معارضة لهم بغيا يبيح دماء المعارضين؟ ويتساءل: لولا حلم الله لخسف الأرض بالعرب، حيث أرسل لهم رسولا من أنفسهم أسس لهم أفضل حكومة أسست في الناس، جعل قاعدتها قوله {كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته} أي كل منكم سلطان عام و مسؤول عن الأمة. و هذه الجملة هي أسمى و أبلغ ما قاله مشرع سياسي من الأولين و الآخرين فجاء من المنافقين من حرف المعنى عن ظاهره و عموميته إلى أن المسلم راعٍ على عائلته و مسؤول عن عائلته فقط. و هكذا غيروا مفهوم اللغة، و بدلوا الدين, و طمسوا العقول حتى جعلوا الناس ينسون لذة الاستقلال، وعزة الحرية، بل جعلوهم لا يعقلون كيف تحكم أمة نفسها بنفسها دون سلطان قاهر. وكأن المسلمين لم يسمعوا بقول الرسول عليه السلام:( الناس سواسية كأسنان المشط ,لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى). و هذا الحديث من أصح الأحاديث لمطابقته للحكمة و مجيئه مفسرا الآية { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } فإن الله عز وجل شأنه ساوى بين عباده مؤمنين و كافرين في المكرمة بقوله {وكرمنا بني آدم} ثم جعل الأفضلية في الكرامة للمتقين فقط . و معنى التقوى لغة ليس كثرة العبادة كما صار ذلك حقيقة عرفية غرسها علماء الاستبداد، بل التقوى لغة هي الاتقاء أي الابتعاد عن رذائل الأعمال احترازاً من عقوبة الله . فقوله إن أكرمكم عند الله أتقاكم كقوله إن أفضل الناس أكثرهم ابتعادا عن الآثام و سوء عواقبها، وإلا كيف يقول الله تعالى: واتقوني يا أولى الألباب، وتارة أخرى يقول واتقوا النار؟ وفي فصل الاستبداد و العلم يبين الكواكبي ان المستبدين يعمدون إلى احتكار المعلومة وتصنيعها، و تجهيل المجتمع، يكرهون المتعلمين المتنورين أصحاب الكرامة لأن سلطان العلم يفوق سلطانهم، يهمشون الشعب ( العوام ) باعتبارهم رعاعا غوغائيين غير ناضجين يشبهونهم بالقطيع المحتاج للقيادة و الحماية - و المستبد في حين انه لا يخاف علوم اللغة خاصة إذا لم يكن ما وراء اللسان حكمة حماس تعقد الألوية، أو سحر بيان يحل عقد الجيوش، و لا العلوم الدينية المختصة ما بين الإنسان و ربه، لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة و لا تزيل غشاوة، و إنما يتلهى بها المتهوسون ... ترتعد فرائص المستبدين من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، الفلسفة العقلية، و حقوق الأمم و طبائع الاجتماع، و السياسة المدنية ويخافون من أصحاب هذه العلوم و هم المعبر عنهم في القرآن الكريم بالصالحين و المصلحين (إن الأرض يرثها عبادي الصالحين) و قوله (وما كنا لنهلك القرى و أهلها مصلحون ). مبينا أن بين العلم و الاستبداد حربا دائمة , يسعى العلماء في تنوير العقول و يجتهد المستبد في إطفاء نورها , و الطرفان يتجاذبان العوام . العوام الذين إذا جهلوا خافوا , و إذا خافوا استسلموا , ومتى علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا . و العوام هم قوّة المستبد وقوته . بهم وعليهم يصول و يجول , فيتهللون لشوكته، و يغصب أموالهم، فيحمدونه على إبقائه على حياتهم، و يهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته (حنكته) و إذا أسرف في أموالهم، يقولون كريم، و إذا قتل منهم و لم يمثل يقولون رحيم ...و الحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل .. ، إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكبر من نقمة خوفهم بأسه.

 وأن خير ما يستدل به على درجة استبداد الحكومات هو تغاليها في شأن الملوك و فخامة القصور، وعظمة الحفلات ومراسيم التشريفات، و علائم الآبهة، وغير ذلك من التمويهات يلجأ إليها المستبد عوضا عن العلم و العقل، كما يلجأ قليل العز للتكبر, و قليل العلم للتصوف. وفي باب الاستبداد والمجد يبدأ الكاتب بحكمة بالغة للمتأخرين- حسب تعبيره - الاستبداد اصل لكل فساد – و يشرح إن التمجّد خاص بالإدارات الاستبدادية ليصل إلى أن:{ و إن المجد لا ينال إلا بنوع من البذل في سبيل الجماعة و بتعبير الشرقيين في سبيل الله أو في سبيل الدين، و بتعبير الغربيين في سبيل المدنية أو سبيل الإنسانية. و المولى تعالى المستحق التعظيم لذاته ما طالب عبيده بتمجيده إلا و قرن الطلب بذكر نعمائه عليهم. ويضيف: أن المستبد يتخذ الممجدين سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة الدين أوحب الوطن أو تحصيل منافع عامة أو الدفاع عن الاستقلال . و الحقيقة في بطلان كل هذه الدواعي الفخيمة التي ما هي إلا تخيل و إيهام يقصد بها رجال الحكومة تهييج الأمة و تضليلها، المستبد يجرب أحيانا في المناصب و المراتب بعض العقلاء الأذكياء أيضا , اغترارا منه بأنه يقوى على تلين طينهم و تشكيلهم بالشكل الذي يريد فيكونوا له أعوانا خبثاء ينفعونه بدهائهم، ثم هو بعد التجربة إذا خاب و يئس من إفسادهم يتبادر بإبعادهم أو ينكل بهم. و لهذا لا يستقر عند المستبد إلا الجاهل العاجز الذي يعبده دون الله أو الخبيث الخائن الذي يرضيه و يغضب الله . في مبحث الاستبداد و المال يقول بادئ ذي بدء : لو كان الاستبداد رجلا و أراد أن يحتسب و ينتسب لقال: أنا الشر و أبي الظلم و أمي الإساءة، و أخي الغدر و أختي المسكنة، وعمي الضر و خالي الذل , و ابني الفقر وبنتي البطالة , عشيرتي الجهالة ووطني الخراب , أما ديني و شرفي وحياتي فالمال المال المال! !! إلى أن تتجلى عبقريته فيقول انه ومن طبائع الاستبداد أنه لا يظهر فيه فقر الأمة ظهورا بينا إلا فجأة و لم يفته : إن حفظ المال في عهد المستبد اصعب من كسبه و انه من طبائع الاستبداد ان الأغنياء أعداؤه فكرا و أوتاده عملا فهم ربائط المستبد يذلهم فيئنون و يستدرهم فيحنون . وبعد ،، فإن الاستبداد ونتيجته الفساد، داء تبتلى به بعض الشعوب في بعض مراحل التأريخ، وهو أسوأ أنواع السياسة، وأكثرها فتكاً بالإنسان وبغير الإنسان في المجتمع المحكوم بالظلم والطغيان، مما يؤدي الى التراجع في كافة مرافق الحياة ووجوهها، والى تعطيل الطاقات وهدرها، والى سيادة النفاق والرياء بين مختلف فئات الشعب، حكاما ومحكومين . ولما أكتوى الكواكبي، وكل مجتمعه وأمته، بمثل هذا النوع من الحكم، وتكتوي مجتمعات وبلدان كثيرة، في يومنا هذا به، ويصح القول : ما أشبه اليوم بالأمس . راح يتحدث بجرأة وصراحة متناهيتين في عصر يسوده الاستبداد، وتخنق فيه الكلمة في الحناجر، وفي ظل حكم لا يرحم، ولا يسمع أو يعي . أن هذا الكتاب لا يجرؤ على تسطيره إلا من آمن بالله وآمن بالإصلاح فوقف له حياته وكل ما يملك . الكتاب صدر مؤخرًا عن وزارة الثقافة في قطر بعنوان “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” لعبد الرحمن الكواكبي، حيث أعادت مجلة الدوحة الثقافية طبع الكتاب الذي يقع في عشرة فصول؛ وذلك احتفاءً بثورتي تونس ومصر.



   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الاميرة نيوز' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .